الشيخ السبحاني
92
مفاهيم القرآن
يستفيد من قدرة تلك القبائل ونفوذ رؤسائها ؛ في إنجاح الدعوة الإسلامية وتقوية أركانها ، والتغلّب على أعدائها من الكفّار والمشركين وغيرهم من المعارضين . إلّا أنّ هذا النظام ( القبليّ ) لما كان ينطوي عليه - في نفس الوقت - من سيئات جسيمة ، وتبعات لا يمكن التغاضي عنها ، ومنافاتها مع ما ينشده الإسلام ويدعو اليه من الوحدة والاتّحاد بين جميع أفراد المسلمين ؛ فقد سعى الرسول الأكرم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّمفي محو الروح القبلية ، وتذويب الفوارق العشائرية . وصهر تلك التجمّعات المتشتّتة المتباينة في بوتقة الإيمان الموحّد ، والصف الإسلامي الواحد ، ولكنّهصلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم رغم ما أوجده في ضوء التعاليم الإسلامية من تحوّلات عظيمة في حياة العرب ، إلّا أنّ أكثر هذه التحوّلات كانت تتعلّق بقضايا العقيدة ، والمسائل الأخلاقية والروابط الاجتماعية . . ولم يكن من الممكن أن ينقلب شكل النظام القبليّ العربيّ في خلال ( 23 عاماً ) ويتبدل كليةً . ويدلّ على ذلك ؛ وجود بقايا من هذا النظام في القسم الأكبر من شبه الجزيرة العربية مثل اليمن ونجد والحجاز . . . وو . إنّ أصول هذه العشائر - في ابّان العهد الإسلاميّ - وإن كانت عبارةً عن حمير وكهلان وقضاعة ومضر وربيعة ، إلّا أنّ هذه القبائل الأساسية تفرّعت وتشعّبت باستمرار ؛ إلى قبائل وأفخاذ وفروع ؛ وكان لكل قبيلة وفخذ منها شيخ ورئيس يرأس الجماعة وتكون له الكلمة والقيادة وتعطي له الاحترام والطاعة . وقد كانت النفسيات والأخلاق العشائرية ، المتوغّلة في نفوسهم بحيث لم تنعدم انعداما كلياً ، رغم ما تلقاه أولئك من التعاليم الإسلاميّة والتربية القرآنية ، ولذلك كانت تظهر بين الفينة والأخرى ، وينشأ بسببها النزاع ويكاد يتوسّع لولا حكمة الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وتدبيره . فقد ذكر ابن هشام ؛ حادثةً عند عودة النبيّ والمسلمين من غزو بني المصطلق ، بدأت من قضية صغيرة وكادت أن تتطوّر إلى نزاع قبليّ واسع لولا تصرّف النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم . قال : ( بينا رسول اللَّهصلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عائداً من غزو بني المصطلق وقد نزل عند ماء ، وردت